جان لوئيس بوركهارت

284

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ثلاث أقدام أو أربع ، خشنة الصناعة أصابها البلى والتلف . وليس بين الحجر والآجر من التناسب إلا أقله ، وهذا الآجر شبيه بالذي رأيت قرب دوا ، وقد بنيت به جدران المساكن . ولم أر آثارا لسور مدينة أو لأي بناء كبير . ويخيل إلى أن هذا الذي رأيت لم يكن سوى بيوت بلدة صغيرة مكشوفة . ومحيط هذه الخرائب يقطع في ثماني دقائق إلى عشر على الأكثر . ولم أستطع أن أتبين في تصميمها نظاما ولا ترتيبا ، فهي مربعات صغيرة منفصلة بعضها عن بعض ، وهي أقرب إلى الاستطالة ، وتراها منبثة بين الشجر حيثما اتفق . ولم يبق من حيطان الآجر أكثر من قدمين فوق الأرض ، وبقاء هذا القدر - على قلته - يدعو للغرابة إذا ذكرنا ما تحدثه الأمطار السنوية بهذه المباني المهجورة الواهية ، ولم أعثر على آثار أخرى من أي نوع في المنطقة المجاورة . وبقرب هذا المكان مخاضة في النهر يستعملها عرب الجعليين ثلاثة أشهر أو أربعة قبل موسم الفيضان . 19 مايو - استأنفنا الرحلة صباحا فسرنا على الحدود الشرقية للسهل المزروع حتى بلغنا قرية الكبوشية ، وهي مقر رجل من أسرة مك شندى ، وتبعد عن الحصاة قرابة ثلاث ساعات . ولما كان بيننا وبين عطبرة ثلاثة أيام طوال فقد ملأنا قربنا من النهر ، ومجراه على نصف ساعة من القرية . وحدث لي ونحن نبدأ المسير حادث من تلك الحوادث التي تضايق المسافر في الصحراء وتنغص عليه رحلته ، ذلك أنني بعد أن شددت قربى إلى رحل جملي ثقبت إحداها - وكانت من أكبرها - وتفجر الماء منها كأنها الينبوع . ويسد العرب مثل هذا الثقب بوتد من غصن أخضر يلفونه بقماش ، ولكن خير سدادة له لباب عود من عيدان الذرة ، فهو إذا ابتل بالماء انتفخ فأحكم سد الثغرة . وعبرنا إقليما مستويا تقطعه الوهاد والوديان الحافلة بالشجيرات والقش . ثم مررنا بمخيم كبير للجعليين يبعد أربع ساعات من النهر ، وهم برغم بعدهم هذا من النهر يجلبون منه حاجتهم من الماء كل يوم . وحططنا رحالنا في ساعة متأخرة من الليل بعد أن سرنا من الكبوشية سبع ساعات أو ثمان 20 مايو - قمنا قبيل الشروق ويممنا شرق الشمال الشرقي ، وكان قوام